يحسب
الناس في بعض الأحيان أنهم بتأديتهم للصلوات
الخمس وصيام شهر رمضان ، قد وصلوا إلى درجة
الكمال ،بغض النظر إن كان سلوكهم اليومي لا
يتناسب وتعاليم الإسلام ، سواءاً كان هذا
السلوك يتعلق باحترامهم للآداب العامة ، أو
يتعلق بمعاملاتهم المباشرة وغيرالمباشرة مع
بعضهم البعض .
ولا شك أن مرد
هذا الفهم الخاطئ هو خطأ آخر يتعلق بالفهم
الصحيح لمقاصد الإسلام العليا ، وأهدافه
الحقيقية ، حيث أن العبادات في الإسلام بما
فيها الصلاة والصيام : هي وسائل الإسلام وليست
أهدافه ، وبذلك فإن تأدية هذه العبادات لا
تكفي صاحبها إذا لم تحقق الهدف الحقيقي منها ،
المتعلق بالسلوك .
ولذلك قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ) يعني أن تأدية
الصلاة ليست الهدف الذي يريد أن يصل إليه
الإسلام ، ولا يعني هذا على الإطلاق التقليل
من قيمة الصلاة – على العكس تماماً – فإن
الصلاة وكذلك باقي العبادات هي الوسائل
المختارة ربانياً ، والتي لا يمكن استبدالها
بوسائل أخرى لخلق الحياة الإسلامية ، ومن هنا
كان قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (
الصلاة عمود الدين من أقامها فقد أقام الدين ،
ومن هدمها فقد هدم الدين ) وأنها أي الصلاة (
أول ما يحاسب عنه العبد ) .
أي أنه لا يحق
لنا أن ندعي بأننا يمكن أن نختار وسائل أخرى
غير الصلاة والعبادات لخلق الحياة الإسلامية ،
لأن هذا الإختيار من حق الله سبحانه وحده الذي
يعلم ما لا نعلم (( قل أأنتم أعلم أم الله ))
وهو وحده سبحانه وتعالى صاحب الحق في إقرار ما
يراه مناسباً لأنه الخالق وهو أعلم بمن خلق .
ومع ذلك تبقى
الصلاة والعبادات وسائل الدين وليست أهدافه
---- أما الهدف الحقيقي فهو ضبط السلوك
الإنساني بما يتوافق وتعاليم الإسلام ، وبما
يتوافق والمقاصد العليا للشريعة ولروح الدين
السمحة ، ومن هنا كان قول الرسول الأكرم صلى
الله عليه وسلم * الدين المعاملة * أي أن صلب
الدين يكمن في المعاملة أي السلوك ، ولقد قيل
في هذا الحديث أنه يشابه قول الرسول صلى الله
عليه وسلم * الحج عرفة * فكما أنه لا حج بلا
عرفة فلا دين بلا معاملة.
فالمعاملة أي
السلوك الإنساني هو الهدف السماوي الذي تهدف
الشريعة الإسلامية إلى ضبطه والارتقاء به إلى
الأعلى ، والمقصود بالسلوك هنا هو كل ما يتعلق
بتعاملات الإنسان مع أخيه الإنسان ، ومع أن
هذه الحقيقة واضحة وبينة لدى الكثيرين ، إلا
أن الجزء الخفي والمفقود من هذه المعادلة
وللأسف الشديد في مجتمعاتنا العربية
والإسلامية هو الجزء الذي يؤثر تأثيراً يعتقد
أنه تأثير غير مباشر على حياة الآخرين ، ولا
يراه الكثيرون ضاراً أو معيباً .
ويمكن أن نذكر
هنا على سبيل المثال .
1/ إن المجتمعات
الإسلامية المعاصرة هي أقل المجتمعات اهتماماً
بمواضيع البيئة !! ولا يبدي الناس اهتماماً
كبيراً بهذا الموضوع ،مع أن الإضرار بالبيئة
يضر تلقائياً بحياة آلاف الناس ، وأنت تجد في
كثير من الأحيان من يقود مركبة ذات محرك قديم
بالي ينفث غازاته السامة في الطرقات ، وهو لا
يعتقد أنه بذلك يرتكب مخالفة دينية ، على
الرغم من أته قد يتسبب في إيذاء آلاف الناس .
2/ مخالفة
قوانين السير التي تجلب يومياً الموت للآمنين
، تكاد ولكل أسف لا تجد من يحترم مثل هذه
القوانين سواءاً ما يتعلق بالتقيد بالسرعة أو
إشارات الطرق ، وتشاهد يومياً مآسي مؤلمة تحدث
لهذا السبب ، ثم نسارع للصق ما يحدث للقضاء
والقدر ، دون أن ننبه أن الاستهتار واللا
مبالاة هي التي تقف خلف هذه المآسي ، ودون أن
نذكر ولو لمجرد الذكر ، أن مخالفة قوانين
السير يحتوي على مخالفة حقيقية لتعاليم
الإسلام ، لأنها تشكل خطورة حقيقية على حياة
الآخرين .
3/ بينما أمر
الإسلام بإماطة * إزالة * الأذى عن الطريق ،
فإنك تسير في الطرقات فلا تكاد تمر دقيقة
واحدة إلا وترى شخصا ًما يقذف فضلاته في
الطرقات ، سواءاً بقايا الطعام أو الشراب ،
ولا تجد عند هذا الشخص ولو مجرد الشعور بأنه
فعل شيئاً شاذاً أو غريباً ، بل ربما الشاذ أو
الغريب هو أن تحتفظ بفضلاتك في يدك أو جيبك
إلى أن تصل إلى المكان المناسب لتلقيها فيه .
والغريب أن من
يفعل ذلك لا يعتقد أنه يخالف تدينه ، بل وربما
تجده عابداً راكعاً ساجداً لله سبحانه وتعالى
، ومع ذلك فهو لا يلقي بالاً لكل ما ذكر .
بكلمة أخرى نذكر
بأن الإسلام إنما جاء ليعيد تشكيل السلوك
الإنساني بما يتوافق والشريعة الإسلامية ،
وبما يتوافق وتعاليم الإسلام السمحة ،
فالإسلام يهدف إلى إنشاء المجتمع الإنساني
المتآخي وليس المتحارب ، المجتمع الذي يكمل
بعضه بعضاً وليس المجتمع الذي ينهب بعضه بعضاً
، ويعتدي بعضه على بعض .
· يا أيها
الناس إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا *
أي لتعاونوا وتحابوا وليس لتحاربوا ، وهذه
المودة والمحبة ، وهذا المجتمع الإنساني
السليم لا يمكن أن ينشأ في ظل سلوكيات عدائية
يمارسها أفراده ، وإنما لا بد لهذه السلوكيات
أن تنطلق من مبدأ التآخي الإنساني الذي أقره
الإسلام العظيم ، وارتضاه رب العزة لعباده .
ومن ناحية أخرى
نقول بأن السلوك الإسلامي السليم يشمل ما ورد
سابقاً ، وغيره الكثير مما يستهتر به الناس
ويتجاهلونه ظانين أنه لا يضر بالآخرين ، مع
أنه على المستوى البعيد أكثر إضراراً بالآخرين
من غيره ، لأنه سيساهم في نهاية المطاف في
تدمير مجتمعات كاملة وليس فقط أفراد معدودين ،
فأنت حينما تساهم في الإضرار بالبيئة فأنت
تدفع باتجاه خطر فظيع يهدد حياة ملايين الناس
، وهذا بالتأكيد لا يتناسب وتعاليم الإسلام
الرحيمة والسمحة ، والتي تسعى لترسيخ مبدأ
التآخي والود والتراحم بين عناصر الجنس البشري
بأكمله .
وعلى صعيد آخر ،
وفي جانب آخر أيضاً من جوانب الإسلام المفقودة
، أو التي فقدت قيمتها الحقيقية في حياة الناس
بسبب هذا التراكم المخيف لقيم الجهل والتخلف ،
والغياب البين للدعاة المستوعبين للإسلام
وأهدافه ومقاصده استيعاباً دقيقاً .
وفي هذ ه المرة
يدور الحديث عن القيم والأخلاق والسلوكيات
التي من شأنها أن ترتقي بالمجتمع الإسلامي ،
وتدفع حضارته ورقيه المدني والتكنولوجي إلى
الأمام ، لينافس من جديد حضارات كان يسبقها
بمسافات كبيرة ، ولكنها سبقته الآن لتخلي أهله
عن وسائله ، بينما استعملتها هذه الحضارات
المعاصرة.
ونذكر على سبيل
المثال هنا أيضاً ، قيم الشجاعة والبحث العلمي
الدقيق ، والإقدام على اكتشاف مكنونات الكون
المختلفة البرية والبحرية والجوية ، بغض النظر
عن المخاطر ، وبغض النظر عن الصعوبات والمشاق
التي تصاحب هذا البحث وهذه المحاولات .
من المؤسف حقاً
أن أعداءنا من غير المسلمين هم الآن من يتحلون
بهذه القيم ، رغم أننا كمسلمين أولى الناس بها
، بل أحق الناس بها .
صحيح أننا نتحلى
بسلوكيات يفقدها هؤلاء الأعداء من غير
المسلمين ، ولكن الحقيقة البينة التي لا
نستطيع أن نخفيها أنهم هم من يتحلون
بالسلوكيات التي تصنع الحضارات ، بينما لا
تحظى هذه السلوكيات بالكثير من الاحترام في
مجتمعاتنا ، ولا حتى عند الكثير من متدينينا ،
ولا نعرف كيف ضيعت ؟ وكيف باتت خارج دائرة
الاهتمام ؟ رغم أنها من أهم الركائز التي تحقق
مبدأ الخلافة في الأرض ، فهل يمكن أن يرث
الأرض ويستخلف فيها الجبناء ؟! وهل يمكن أن
يستخلف في الأرض الساكنون الراكنون إلى الراحة
؟! العاكفون في بيوتهم كما الرهبان بينما
لايعنيهم كل ما يحدث حولهم ، فهم لا يعيشون
إلا لأنفسهم فهم * كالأنعام بل أضل سبيلا *
.هل يمكن أن يستخلف في الأرض الجهلاء ؟! وكيف
يمكن أن يحفظوها ، ويحافظوا عليها ؟ هل يمكن
أن يعمر الأرض من لا يعرف مكنوناتها ، ولا
يسعى لاكتشافها ويتركها للآخرين ، بينما يجلس
هو منتظراً ما ينته عليه هؤلاء الآخرين من
معلومات استنفذت وفقدت قيمتها ؟ !
أليست أدق
البحوث العلمية تنتمي وللأسف لغيرنا ؟ ألسنا
أولى بها من غيرنا ؟ .
إننا هنا لا نجلد أنفسنا ،
وإنما نذكرها بما عليها ، وندعوها لأن تعود
لمحاولة فهم إسلامها فهماً دقيقاً صحيحاً ،
وندعو الله أن يوفقنا لأن نكون ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه.
عودة